الشيخ السبحاني
57
مفاهيم القرآن
روحاني لا جسماني بل هي ساكتة عن هذا الأمر ، وإنّما يعلم ذلك من خلال الآيات الأُخرى الدالّة على أنّ المعاد روحاني وجسماني . بل هي ناظرة إلى دفع الشبهة العالقة في الأذهان ، وهي كيف يمكن جزاء الإنسان في النشأة الأُخرى بالأعمال التي اكتسبها في النشأة الدنيا مع أنّه بموته بطلت شخصيته وانفصمت وحدته . فيجيب سبحانه بأنّ الحافظ للوحدة ، هو وحدة الروح والنفس ، في أيّ بدن دخلت ، وبأي بدن حشرت ، فهناك صلة قويمة بين الحياتين . نعم دلّت الآيات على أنّه سبحانه سيجمع عظامه ورفاته فينشئ نفس ما أنشأه في الحياة الدنيوية . قال سبحانه : « قُلْيُحْييها الَّذي أَنشأها أَوّلَ مرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَليم » . « 1 » هذا هو جواب الذكر الحكيم عن الشبهة ، وهو مبني على تجرّد الروح عند الموت الذي يصحح بقاءه وإن فسدت مادته وتناثرت أوصاله ، وهذا الجواب مدعم بدلائل عقلية دامغة ، وإليك بيانها : البرهان الأوّل : ثبات الشخصية في دوّامة التغيير إنّ الإنسان منذ نعومة أظفاره إلى ريعان شبابه إلى كهولته وشيخوخته في دوامة التغيّرات والتحوّلات ، وهو أمر ملموس لكلّ إنسان . وعلى الرغم من ذلك فثمة أمر ثابت غير متغير يواكبه في جميع تلك التغييرات والتحولات وإليه ينسب أفعاله كلّها التي صدرت منه طيلة حياته ، وهذا الأمر الثابت يعبّر عنه ب « أنا » . ويقول كنت طفلًا رضيعاً ثمّ صرت مراهقاً ثمّ
--> ( 1 ) . يس : 79 .